مجمع البحوث الاسلامية

832

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

و ( عنها ) إمّا أن يتعلّق ب يَسْئَلُونَكَ أي يسألونك عنها ، وتكون صلة ( حفىّ ) محذوفة ، والتّقدير : كأنّك حفيّ بها ، أي معتن بشأنها حتّى علمت حقيقتها ووقت مجيئها ، أو كأنّك حفيّ بهم أو معتن بأمرهم فتجيبهم عنها ، لزعمهم أنّ علمها عندك . وحفيّ لا يتعدّى ب « عن » قال تعالى : إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا مريم : 47 ، فعدّاه بالباء . وإمّا أن يتعلّق ب ( حفىّ ) على جهة التّضمين ، لأنّ من كان حفيّا بشيء أدركه وكشف عنه ، فالتّقدير : كأنّك كاشف بحفاوتك عنها . وإمّا أن تكون « عن » بمعنى الباء ، كما تكون الباء بمعنى « عن » في قوله : * فإن تسألوني بالنّساء فإنّني * أي عن النّساء . وقرأ عبد اللّه ( كانّك حفىّ بها ) بالباء مكان « عن » أي عالم بها ، بليغ في العلم بها . ( 4 : 435 ) ابن كثير : [ نقل أقوال المفسّرين ثمّ قال : ] وقال عبد الرّحمان بن زيد بن أسلم : كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها : كأنّك بها عالم وقد أخفى اللّه علمها على خلقه ، وقرأ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ لقمان : 34 ، الآية . وهذا القول أرجح في المقام من الأوّل [ قول ابن عبّاس ] واللّه أعلم ، ولهذا قال : قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . ولهذا لمّا جاء جبريل عليه السّلام في صورة أعرابيّ ليعلّم النّاس أمر دينهم ، فجلس من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مجلس السّائل المسترشد ، وسأله صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإسلام ثمّ عن الإيمان ثمّ عن الإحسان ، ثمّ قال : فمتى السّاعة ؟ قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما المسؤول عنها بأعلم من السّائل ، أي لست أعلم بها منك ، ولا أحد أعلم بها من أحد . ( 3 : 260 ) الآلوسيّ : أي عالم بها ، كما قال ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما ، فيما أخرجه عنه ابن المنذر وغيره ، ف ( حفىّ ) « فعيل » من : حفي عن الشّيء ، إذا بحث عن تعرّف حاله . وذكر بعضهم أنّ الحفاوة في الأصل : الاستقصاء في الأمر للاعتناء به . [ ثمّ استشهد بشعر ] ومنه إحفاء الشّارب . وتطلق أيضا على البرّ واللّطف ، كما قال تعالى : إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا . والمعنى المراد هنا متفرّع على المعنى الأوّل ، لأنّ من بحث عن شيء وسأل منه استحكم علمه به ، فأريد به لازم معناه مجازا أو كناية . وعدّي الوصف ب « عن » اعتبارا لأصل معناه ، وهو السّؤال والبحث . وقيل : لأنّه ضمّن معنى الكشف ، ولولا ذلك لعدّي بالباء . وجوّز أبو البقاء أن تكون « عن » بمعنى الباء ، وروي عن الحبر وابن مسعود أنّهما قرءا ( بها ) ، والجملة التّشبيهيّة في محلّ نصب على أنّها حال من مفعول يَسْئَلُونَكَ أي مشبّها حالك عندهم بحال من هو حفيّ . وقيل : إنّ ( عنها ) متعلّق ب يَسْئَلُونَكَ والجملة التّشبيهيّة معترضة ، وصلة ( حفىّ ) أي بها أو بهم ، بناء على ما قيل : إنّ حفيّ من الحفاوة بمعنى الشّفقة ، فإنّ قريشا قالوا له عليه الصّلاة والسّلام : إنّ بيننا وبينك قرابة فقل لنا : متى السّاعة ؟ وروي ذلك عن قتادة وترجمان القرآن أيضا .